السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
19
مفاتيح الأصول
ويظهر من بعض إلحاق اسم المفعول باسم الفاعل في الدلالة على الحدوث وما صاروا إليه ضعيف نعم لا يمكن إنكار دلالة اسم الفاعل على التجدد أحيانا لكنها لا للصيغة بل إما للمادة أو لأمر خارجي من شهادة العادة وكذا لا يمكن إنكار دلالة الصفة المشبهة على الاستمرار باعتبار العادة كما أشار إليه نجم الأئمة فقال والذي أرى أن الصفة المشبهة كما أنها ليست موضوعة للحدوث ليست أيضا موضوعة للاستمرار في جميع الأزمان لأن الحدوث والاستمرار قيدان في الصفة ولا دليل فيها عليهما فليس معنى حسن في الوضع إلا ذو حسن سواء كان في بعض الأزمنة أو جميع الأزمنة ولا دليل في اللفظ على أحد القيدين كما كان في اسم الفاعل وهو غلبة استعماله في الحدوث ومن ثم يحول الصفة عند قصد الحدوث إليه فجعلها حقيقة في أحدهما تحكم في الأصل أن نقول هي حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الاتصاف بالحسن مطلقا لكن لما أطلق ذلك ولم يكن بعض الأزمنة أولى من بعض ولم يجز نفيه في جميع الأزمنة لأنك حكمت بثبوته ولا بد من وقوعه في زمان كان الظاهر ثبوته في جميع الأزمنة إلى أن يقوم قرينة على تخصيصه ببعضها كما يقول كان هذا حسنا وسيصير حسنا وهو الآن حسن فظهوره في الاستمرار ليس وضعيّا على ما ذكرنا بل بدليل العقل وظهوره في الاستمرار عقلا هو الذي غيره انتهى القول في المعرب مقدمة عرف المعرّب باللفظ الذي لم يكن أهل العربية وضعوه لمعنى بل استعملوه فيه تبعا لغيرهم وزاد بعض الذي لم يكن علما مفتاح اختلف القوم في وقوع المعرّب في القرآن على قولين الأول أنه واقع وهو للعلامة في تهذيب والسيّد عميدي والشيخ البهائي والحاجبي والعضدي والبيضاوي في تفسيره وحكي عن ابن عباس وعكرمة الثاني أنه غير واقع وهو البيضاوي في المنهاج وبعض شرّاحه وحكي عن الشافعي في رسالته والقاضي في التقريب وابن جرير في تفسيره بل عزاه الحاجبي إلى الأكثر وربما يظهر من كلام العلامة في النهاية للأولين وجهان الأول وقوع لفظ إبراهيم فيه وهو غير عربي أما الأول فواضح وأما الثاني فلاتفاق أهل العربية على أنه غير منصرف باعتبار العجمة والعلمية وفيه أنه إنما يتم لو كانت الأعلام العجمية المستعملة في كلام العرب من المعرّب وهو ممنوع إمّا لأن الشرط في المعرّب جواز إجراء جميع أحكام اللفظ العربي عليه من صحة الإضافة ودخول حرف التعريف والتنوين عليه ومن الظاهر أن الأعلام المذكورة ليست كذلك أو لأن الشرط فيه بقاء المعنى الغير العربي في استعماله وهو غير متحقق فيها وفي كلا الوجهين مناقشة الثاني وقوع لفظ المشكاة وسجّيل وقسطاس فيه وهي غير عربية أما الأول فلقوله تعالى في سورة النور مثل نوره كمشكاة فيها مصباح وقوله تعالى في سورة الفيل ترميهم بحجارة من سجّيل وقوله تعالى في سورة الشعراء وزنوا بالقسطاس المستقيم وأما الثاني فلأن الأول هندي يراد به في لغتهم الأنبوبة في وسط القنديل والثاني فارسيّ يعبر به عن سنگ گل عندهم والثالث رومي يعبر به عن الميزان المستقيم وقد حكى السيّد عميد الدين عن جماعة من أهل اللَّغة الحكم بأنّها معرّبة وقد استدل جماعة كالعلامة والحاجبي والعضدي على الوقوع بما ذكر وهو شاهد قوي على كونها معرّبة واعترض عليه بالمنع من كونها معرّبة لجواز أن تكون مما اتفق فيه اللغتان كالصّابون والتنّور ويؤيّده أن الطبرسي فسّر السجّيل بالعذاب المكنون وادّعى اشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال ونسب القول بمعربيته إلى قائل مجهول وقال في تفسيره قيل إنها رومية معرّبة وقال الزجاج يجوز أن يكون عربية لأن في الكلام مثل لفظها شكوة وهي قربة صغيرة وقال في تفسير القسطاس هو الميزان صغر أم كبر وقيل هو الصّبان عن الحسن وقيل هو العدل بالرّومية عن مجاهد فيكون محمولا على موافقة اللغتين انتهى وفي المصباح المنير قيل عربي مأخوذ من القسط وقيل روميّ معرّب انتهى لا يقال لو كانت مما اتفق فيه اللغتان للزم تعدد الوضع والأصل عدمه لأنا نقول لو كانت من المعرّب للزم اطلاع العرب على لغة غيرهم وهو أمر حادث والأصل عدمه على أنا نقول الغالب في الألفاظ المستعملة في اللغة المستعملة في اللغة العربية حقيقة كون وضعها منهم فيجب إلحاق مورد الشك بالغالب فتأمل وللآخرين أنه لو وقع المعرّب لخرج القرآن عن كونه عربيا لأن الملفق من العربي وغيره لا يكون عربيّا كما أن الملفق من الحلو والحامض لا يكون حلوا والتالي باطل لقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيّا وأجاب عنه في المعالم فقال نمنع كون القرآن كلَّه عربيّا والضمير في إنا أنزلناه للسورة لا للقرآن وقد يطلق القرآن على السّورة وعلى الآية فإن قيل يصدق على كل سورة وآية أنها بعض كل القرآن وبعض الشيء لا يصدق عليه أنه نفس ذلك الشيء قلنا هذا إنما يكون فيما لم يشارك البعض الكل في مفهوم الاسم كالعشرة فإنها اسم لمجموع الآحاد المخصوصة فلا يصدق على البعض بخلاف نحو الماء فإنه اسم للجسم البارد الرطب بالطبع فيصدق على الكل وعلى أيّ بعض فرض منه فيقال هذا البحر ماء ويراد بالماء مفهومه الكلي ويقال إنه بعض الماء ويراد به مجموع المياه الذي هو أحد جزئيات ذلك المفهوم والقرآن من هذا القبيل فيصدق على السورة أنها قرآن وبعض من القرآن بالاعتبارين على أنا نقول إن القرآن وضع بحسب الاشتراك للمجموع الشخصي وضعا آخر فيصحّ بهذا الاعتبار أن